سهيلة عبد الباعث الترجمان
260
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
بشيء " . وفي مواضع من الفتوحات يقول : " أنه ليس في أحد من اللّه شيء ، ولا يجوز ذلك عليه بوجه من الوجوه " وقال في باب الأسرار : " لا يجوز للعارف أن يقول : " أنا اللّه " ولو بلغ أقصى درجات القرب " « 1 » . كما يحذر من الوقوع في الشطح والخروج عن حدود المعقول فيقول في باب الأسرار أيضا : " أنت أنت ، وهو هو ، فإياك أن تقول كما قال العاشق : أنا من أهوى ومن أهوى أنا . . . فهل قدر أن يرد العين واحدة ، لا واللّه ما استطاع ، فإنه جهل ، والجهل لا يتعقل ، ولا بد لكل أحد من غطاء ينكشف عند لقاء اللّه " « 2 » ، فيكون والحال كذلك أن كل ما يقصده الصوفية من قولهم : " بأن الحق عين الخلق هو مقصد إلهي وليس ظاهري ، وهذا ما يورده أهل الطريق ، إذ يصل بهم الكشف إلى ما انغلق على غيرهم من الأسرار والحقائق ، وذلك بالتحقق الكامل لا بالاتحاد ، ذلك أن العبد إذا تخلق ثم تحقق ثم جرّب ، اضمحلت ذاته وذهبت صفاته وتخلص من السوى ، فعند ذلك تلوح له بروق الحق بالحق ، فيطلع على كل شيء ، ويرى اللّه عند كل شيء ، وهذا أول المقامات ، فإذا ترقّى عن هذا المقام وأشرف على مقام أعلى منه وعضده التأييد الإلهي رأى أن الأشياء كلها فيض وجوده تعالى لا عين وجوده " « 3 » . ويدفع عنه النابلسي هذه التهمة موضّحا معنى الوجود وعلاقته بالموجود فيقول : إن اللّه تعالى عند العارفين هو الوجود الحق الذي به كل شيء موجود ، أي واقع عليه الوجود بحكم النظر العقلي ، فإذا كان كذلك فلم يكن لشيء من الأشياء وجود بغيره سبحانه ، ولا به أيضا في نفس الأمر ، ويضيف بأن شرط الحلول أن يكون وجودان يحلّ أحدهما في الآخرة ، وهنا ليس وجودان بل وجود واحد ، وتقادير عدمية صادرة عن هذا الوجود الواحد ، تسمى تلك التقادير مخلوقات ، وتسمى حوادث ، وتسمى بأسماء
--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات المكية ، عقيدته الصغرى وعقيدته الوسطى ، الجزء الأول ، ص 36 وما بعدها . ( انظر عبد الوهاب الشعراني ، الكبريت الأحمر ، مصدر سابق ، الجزء الأول ، ص 63 ) . ( 2 ) الشعراني ، المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص 64 . ( انظر لواقح الأنوار القدسية للشعراني ، ص 66 ) . ( 3 ) ابن العماد ، شذرات الذهب ، الجزء الخامس ، ص 192 .